مرتضى الزبيدي

375

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

كان جميع ذلك نعمة من اللّه عليه من غير حق سبق له ومن غير وسيلة يدلي بها فينبغي أن يكون إعجابه بجود اللّه وكرمه وفضله ، إذ أفاض عليه ما لا يستحق وآثره به على غيره من غير سابقة ووسيلة فمهما برز الملك لغلمانه ونظر إليهم وخلع من جملتهم على واحد منهم لا لصفة فيه ولا لوسيلة ولا لجمال ولا لخدمة ، فينبغي أن يتعجب المنعم عليه من فضل الملك وحكمه وإيثاره من غير استحقاق وإعجابه بنفسه من أين وما سببه ؟ ولم ينبغي أن يعجب هو بنفسه ؟ نعم يجوز أن يعجب العبد فيقول : الملك حكم عدل لا يظلم ولا يقدم ولا يؤخر إلا لسبب ، فلو لا أنه تفطن في صفة من الصفات المحمودة الباطنة لما اقتضى الإيثار بالخلعة لما آثرني بها ، فيقال : وتلك الصفة أيضا هي من خلعة الملك وعطيته التي خصصك بها من غيرك من غير وسيلة ، أو هي عطية غيره ؟ فإن كانت من عطية الملك أيضا لم يكن لك أن تعجب بها ، بل كان كما لو أعطاك فرسا فلم تعجب به ، فأعطاك غلاما فصرت تعجب به وتقول : إنما أعطاني غلاما لأني صاحب فرس فأما غيري فلا فرس له ، فيقال : وهو الذي أعطاك الفرس فلا فرق بين أن يعطيك الفرس والغلام معا أو يعطيك أحدهما بعد الآخر ! فإذا كان الكل منه فينبغي أن يعجبك جوده وفضله لا نفسك . وأما إن كانت تلك الصفة من غيره فلا يبعد أن تعجب بتلك الصفة ،